fbpx

القضاء حاضر… والقرار الإداري غائب داخل جامعة ابن طفيل

Lisan Press11 يناير 2026
القضاء حاضر… والقرار الإداري غائب داخل جامعة ابن طفيل

متابعة:

احتضنت المحكمة الإدارية بالرباط، يوم الجمعة 9 يناير 2026، جلسة بحث ذات دلالة خاصة في النزاع المتعلق بالمستحقات المالية لأساتذة كلية اللغات والآداب والفنون بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة. ولم تقتصر هذه الجلسة على بعدها الإجرائي الصرف، بل أبانت عن مفارقة مقلقة بين الإطار القانوني المنظم للمرفق الجامعي، وبعض ممارسات التدبير التي تتم باسمه. فقد حضرت الدولة ممثلة في سلطتها القضائية، بينما غاب القرار الجامعي حيث يفترض أن يكون.

-تمثيل جزئي… وغياب مقلق

خُصصت الجلسة لمناقشة موقف الإدارة بخصوص تعويضات مالية مترتبة عن مهام التدريس والتأطير والتنقل، المنجزة فعليًا ضمن تكوينَي الإجازة والماستر في الصحافة المكتوبة والإلكترونية والإعلام. وسُجل حضور المنسق البيداغوجي لهذين التكوينين، إلى جانب الكاتب العام للمؤسسة بصفته ممثلًا عن الكلية.

في المقابل، لوحظ غياب أطراف أساسية يُفترض فيها الترافع باسم الجامعة واتخاذ القرار الإداري والمالي، رغم توصلها القانوني بالاستدعاء، ويتعلق الأمر بكل من:
• عميد كلية اللغات والآداب والفنون، بصفته الآمر بالصرف؛
• رئيس جامعة ابن طفيل؛
• وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار؛
• الوكيل القضائي للمملكة.

وهو غياب لا يمكن اعتباره مجرد مسألة تنظيمية أو تقنية، بل يطرح إشكالًا قانونيًا عميقًا يمس جوهر المشروعية، باعتبارها الركيزة الأساسية للقانون الإداري وأحد أعمدة دولة الحق والقانون.

-بين النص الدستوري وسلوك الإدارة

يُقر الدستور المغربي مبادئ واضحة في تدبير الشأن العام، وفي مقدمتها مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليه في الفصل الأول، فضلًا عن المقتضيات الواردة في الفصول 154 و155 و156، التي تُلزم المرافق العمومية باحترام قواعد الشفافية والحياد والمساواة، وضمان جودة واستمرارية الخدمة العمومية.

غير أن هذه المبادئ تفقد مضمونها العملي حين يُستدعى المسؤول فيتغيب، وحين تُؤجَّل الحقوق دون تعليل، وتُعلَّق القرارات دون سند قانوني أو موقف إداري صريح.

ويتقوى الإطار القانوني للملف بمقتضيات القانون التنظيمي لقانون المالية رقم 130.13، الذي يُحمّل الآمرين بالصرف مسؤولية الالتزام بالنفقات وتسويتها، ويرتب عن أي إخلال في ذلك آثارًا قانونية واضحة. كما يستند النزاع إلى أحكام القانون رقم 41.90 المتعلق بإحداث المحاكم الإدارية، الذي يخول للقاضي الإداري صلاحية مراقبة مشروعية تصرفات الإدارة، بما في ذلك امتناعها عن الدفاع عن قراراتها.

-علاقة تعاقدية موثقة لا تقبل التأويل

خلال أطوار الجلسة، قدّم المنسق البيداغوجي دفوعه موضحًا أن العلاقة التي تربط الأساتذة بالإدارة ليست علاقة عرفية أو شفوية، بل تقوم على عقد تكوين مكتوب، موقع من رئيس الجامعة وعميد الكلية والمنسق والطلبة المستفيدين.

ويخضع هذا العقد لمقتضيات القانون رقم 00.01، ولا سيما المواد 2 و7 و8 و16 و18، إضافة إلى الميثاق الوطني للتربية والتكوين، خاصة المادتين 52 و55، فضلًا عن النظام الداخلي للتكوين المستمر بجامعة ابن طفيل، المصادق عليه من مجلس الجامعة بتاريخ 29 يوليوز 2021.

وأوضح المنسق أن الأساتذة لم يتوصلوا بمستحقاتهم المالية المرتبطة بالتدريس والتأطير والتنقل لما يزيد عن أربع سنوات، رغم تخرج ثلاثة أفواج، ورغم استفادة الجامعة والكلية من مستحقاتهما المالية في إطار برنامجي التشغيل Programme d’emploi رقم 4 و5 برسم سنة 2024.

كما أكد أنه استنفد جميع المساطر الإدارية المعمول بها، من إيداع الملفات واستكمال الوثائق واحترام مسطرة الصرف، دون أن يترتب عن ذلك أي أداء فعلي، ما دفعه إلى توجيه سبع مراسلات رسمية مكتوبة موثقة بين سنتي 2023 و2025، انتهت بتوجيه إنذار قضائي في ماي 2025.

-الوثيقة أقوى من الادعاء

في محاولة للرد، تمسك ممثل الكلية، الكاتب العام، بدفع مفاده عدم اكتمال الوثائق ومطالبة المنسق بالمستحقات، غير أن هذا الادعاء وُوجه بحجج مكتوبة ومراسلات رسمية تثبت خلافه، سبق أن تقدم بها المنسق إلى العمادة منذ سنة 2023، انسجامًا مع القاعدة القانونية المستقرة التي تقضي بأن ما يثبت بالكتابة لا يُدحض إلا بحجة كتابية مماثلة.

وبناءً على ما راج خلال الجلسة، قررت المحكمة إدراج الملف في جلسة علنية مخصصة لتقديم المستنتجات بتاريخ 23 يناير 2026، معتبرة أن القضية أصبحت مستوفية لعناصر البت.

-اختلال تدبيري لا مجرد نزاع مالي

ما كُشف داخل قاعة الجلسات يتجاوز مجرد المطالبة بتعويضات مالية عن أعمال منجزة، ليعكس خللًا بنيويًا في منظومة الحكامة الجامعية: التنفيذ يتم في المستويات القاعدية، بينما يغيب القرار حيث تُناط المسؤولية. الأساتذة يؤدون واجبهم، والمنسق يتابع ويؤطر، والإدارة التقنية تحضر، في حين يتوارى أصحاب السلطة المالية والإدارية.

والأخطر من تأخير صرف المستحقات، هو تطبيع خرق القانون، وتحويل الصمت الإداري إلى أسلوب تدبير، في تعارض صريح مع أخلاقيات الوظيفة العمومية ومبادئ المرفق العام.

لقد حددت المحكمة المسار الإجرائي للملف، وأعلنت جاهزيته للحكم، غير أن الأسئلة الجوهرية تظل قائمة:
• من يتحمل مسؤولية تفعيل المقتضيات الدستورية داخل الجامعة؟
• ومن يُخضع الآمرين بالصرف وآليات اتخاذ القرار للمساءلة؟

قد تُسترجع الحقوق بأحكام قضائية، غير أن سيادة القانون لا تُصان إلا بالحضور، وتحمل المسؤولية، وربط القرار بالمحاسبة.

القضاء حاضر… والقرار الإداري غائب داخل جامعة ابن طفيل
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة