بينما تفتح مدن مغربية أبوابها للمستثمرين وتتنافس لاستقطاب الرساميل وخلق فرص الشغل، تعيش الناظور واقعا مختلفا ومقلقا، عنوانه العريض: عرقلة الاستثمار، والكيل بمكيالين، وهيمنة لوبيات حولت المدينة إلى فضاء مغلق لا يُسمح فيه بالنجاح إلا لمن يملك مفاتيح النفوذ والعلاقات.
بعيدا عن الخطب الرسمية التي تتحدث عن التنمية والإقلاع الاقتصادي، يصطدم عدد من المستثمرين، خصوصا أبناء المنطقة العائدين بأموالهم وتجاربهم، بحائط من العراقيل الإدارية والضغوط الخفية والممارسات التي تجعل من الاستثمار مغامرة محفوفة بالاستنزاف والتعطيل. فهناك مشاريع تُعرقل لأسباب غامضة، ورخص تُجمَّد دون تفسير، ومساطر تتحول إلى سلاح لقتل المبادرات بدل تشجيعها.
المثير للانتباه أن بعض الجهات التي يفترض أن تكون حاضنة للاستثمار، أصبحت في نظر كثيرين جزءا من الأزمة، إما بالصمت أو بالخضوع لنفوذ لوبيات لا ترى في المستثمر المستقل سوى تهديد مباشر لمصالحها واحتكارها للسوق. وهنا يظهر بوضوح منطق الكيل بمكيالين: فهناك من تُفتح له الأبواب وتُعبَّد له الطرق، وهناك من يُحاصَر فقط لأنه لا ينتمي إلى دائرة المصالح نفسها.
أي عبث هذا الذي يجعل مدينة مقبلة على مشروع استراتيجي بحجم ميناء “الناظور غرب المتوسط”، عاجزة عن خلق مناخ اقتصادي سليم؟ وكيف يمكن الحديث عن قطب اقتصادي واعد، بينما تُدار بعض الملفات بعقلية التحكم والإقصاء واحتكار الفرص؟
الأخطر من كل ذلك، أن ما يحدث اليوم لا يهدد فقط مشاريع بعينها، بل يضرب ثقة المستثمرين في العمق. فحين يشعر المستثمر أن نجاحه قد يتحول إلى مصدر إزعاج للبعض، وأن مشروعه قد يُحارب لأنه خارج “شبكة المصالح”، فإن أول قرار سيتخذه هو المغادرة نحو مدن توفر له الاحترام والوضوح والحد الأدنى من الأمان الإداري.
وهذا ما يحدث فعلا. رؤوس أموال تغادر، وكفاءات تهاجر، وفرص شغل تضيع، فيما تستمر نفس العقليات في التحكم بمفاصل حيوية داخل المدينة، وكأن الناظور ملكية خاصة لا يحق لأحد الاستثمار فيها إلا بإذن غير معلن.
الناظور اليوم لا تحتاج فقط إلى مشاريع كبرى وبنيات تحتية عملاقة، بل تحتاج قبل كل شيء إلى تحرير الاقتصاد المحلي من قبضة المصالح الضيقة، ووقف كل أشكال التدخل والنفوذ، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة دون انتقائية.
فلا يمكن بناء مدينة قوية اقتصاديا في ظل مناخ يُعاقَب فيه المستثمر المستقل، ويُكافأ فيه أصحاب النفوذ. ولا يمكن الحديث عن التنمية، بينما الخوف وانعدام الثقة أصبحا من أبرز عناوين الاستثمار المحلي.
لقد حان الوقت لطرح السؤال الحقيقي: من المستفيد من خنق الاستثمار في الناظور؟ ومن يحاسب الجهات التي تدفع المستثمرين إلى الهروب؟ وهل هناك إرادة فعلية لتحويل المدينة إلى قطب اقتصادي حقيقي، أم أن البعض لا يزال يفضل بقاءها رهينة الاحتكار والكيل بمكيالين؟














