د عماد ابركان
إن صيغة “المصادقة بالإجماع مع التحفظ” كطريقة تعاملت بها عدد من مجالس الجماعات الترابية بإقليم الناظور، خلال الأسبوع الماضي، على مشروع تصميم التهيئة الخاص بمارشيكا، تثير، من منظور قانوني ومؤسساتي، إشكالًا عميقًا يتجاوز مجرد الجدل الإجرائي ليطال جوهر المنطق الديمقراطي التمثيلي داخل الجماعات الترابية، إذ تبدو هذه الصيغة في ظاهرها تعبيرًا عن التوافق، بينما تخفي في عمقها ارتباكًا مفاهيميًا وانزياحًا كبيرا عن القواعد الصريحة التي تضبط اتخاذ القرار الجماعي.
فمن الناحية القانونية الصرفة، لا يعترف الإطار المؤطر لعمل المجالس المنتخبة إلا بثلاث وضعيات للتصويت: القبول، الرفض، أو الامتناع، باعتبارها تعبيرات واضحة ومحددة عن الإرادة التداولية. أما إدخال مفهوم “التحفظ” ضمن نتيجة التصويت، فهو ليس مجرد تطوير لغوي أو مرونة سياسية، بل هو في جوهره خلقٌ لوضعية هجينة تفتقر إلى السند القانوني الدقيق، وتُحدث تشويشًا على الطبيعة الإلزامية للقرار الجماعي، لأن القرار في الأنظمة التمثيلية لا يُبنى على الانطباعات أو المواقف المزدوجة، بل على مواقف محددة قابلة للترتيب والتأثير القانوني.
ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار “الإجماع مع التحفظ” نوعًا من الهروب الإجرائي المقنّع، لأنه يسمح بتسجيل صورة سياسية توحي بالقبول الجماعي من جهة، مع الاحتفاظ بهوامش رمزية للاعتراض من جهة ثانية، دون أن يترتب عن ذلك أي أثر قانوني واضح. وبذلك يتحول “التحفظ” من موقف نقدي جاد يفترض أن يُترجم إلى رفض أو امتناع، إلى مجرد أداة بلاغية يصعب معها على المتتبع للشأن العام تكوين أي قناعة صلبة، وبالتالي تخفيف كلفة القرار على المنتخب المحلي، وهو ما يُفرغ مبدأ التصويت من محتواه الديمقراطي الحقيقي.والأدهى من ذلك أن هذه الصيغة تُحدث خللًا في مبدأ المسؤولية السياسية للمجالس المنتخبة، إذ تُمكّن المنتخب من التملص من تبعات موقفه، فلا هو مؤيد بشكل صريح يتحمل مسؤوليته أمام الساكنة، ولا هو معارض بشكل واضح يتحمل كلفة الرفض، وإنما يوجد في منطقة رمادية تُضعف شفافية القرار العمومي وتربك إمكانية محاسبته ديمقراطيًا. وهذا الوضع يُنتج ما يمكن وصفه بـ”الإجماع الملتبس”، أي إجماع شكلي لا يعكس وحدة إرادة حقيقية بقدر ما يعكس توافقًا إجرائيًا هشًا تحت ضغط السياق السياسي أو الإداري.كما أن اعتماد هذه الصيغة في مشاريع ذات حساسية مجالية وعمرانية، مثل تصميم التهيئة، يطرح إشكالًا إضافيًا يتعلق بجوهر التخطيط الترابي نفسه، لأن هذه الوثائق لا تحتمل الغموض في المواقف، بل تفترض وضوحًا تامًا في القبول أو الرفض أو التعديل، باعتبارها أدوات لتوجيه المجال وتحديد مستقبل استعمالاته. وبالتالي فإن إدخال “التحفظ” في مسار المصادقة قد يُفهم كتقنية لتمرير القرار دون حسم سياسي أو مجتمعي، وهو ما يضعف شرعية التخطيط بدل أن يعززها.وعليه، فإن “المصادقة بالإجماع مع التحفظ” لا تبدو مجرد ممارسة إجرائية مبتكرة، بل تمثل انزياحًا كبيرًا عن روح القانون ومقاصد الديمقراطية التمثيلية، حيث تتحول لغة المؤسسات من أداة لتجسيد الإرادة الشعبية إلى وسيلة لتدبير التناقضات السياسية دون حلها. وهو ما يستدعي، من منظور الحكامة الجيدة، إعادة ضبط صارمة لمفاهيم التصويت داخل المجالس المنتخبة، بما يضمن وضوح القرار، ومساءلة الفاعل السياسي، وحماية مصداقية الفعل التمثيلي من أي تمييع لغوي أو تأويل إداري غير مؤسس.وإذا تمّ التعمق أكثر في خلفيات هذا النمط من “التصويت الملتبس”، أمكن القول إن المسألة لا تتعلق فقط بخلل في التكييف القانوني لنتيجة التداول، بل تمتد إلى بنية الثقافة السياسية المحلية ذاتها، حيث تتداخل اعتبارات التدبير الإداري مع منطق التوازنات السياسية والضغوط الترابية، بما يجعل القرار الجماعي في كثير من الأحيان نتاجًا لتسويات غير معلنة أكثر منه تعبيرًا صريحًا عن الإرادة التداولية الحرة. فالمجالس المنتخبة، بدل أن تؤدي وظيفتها كفضاء للنقاش العمومي العقلاني القائم على الحسم في البدائل، تتحول في بعض السياقات إلى مجال لتدبير التوافقات الحدّية التي تُنتج حلولًا وسطًا لغوية أكثر مما تُنتج قرارات قانونية واضحة.وفي هذا السياق، يبرز “التحفظ” باعتباره تقنية سياسية لإدارة التناقض بدل حسمه، حيث يُستخدم كأداة لخفض التوتر بين الفاعلين المحليين، دون الدخول في مواجهة مباشرة قد تُفهم كعرقلة للمشاريع التنموية. غير أن هذا المنطق، وإن كان يبدو عمليًا من حيث تجنب الصدام المؤسساتي، إلا أنه يؤدي على المدى المتوسط إلى إضعاف القيمة التداولية للقرار، ويُكرّس نوعًا من “الشرعية الإجرائية الصامتة” التي تُمرر المشاريع دون اختبار ديمقراطي حقيقي لمدى قبولها المجتمعي أو ملاءمتها المجالية.
ومن زاوية الحكامة الترابية الحديثة، فإن هذا النوع من الممارسات يطرح إشكالًا مرتبطًا بمبدأ الوضوح المعياري في اتخاذ القرار العمومي، باعتبار أن الشرعية لم تعد تُقاس فقط بسلامة المسطرة، بل أيضًا بمدى شفافية الموقف السياسي المعلن وإمكانية تتبعه ومساءلته. فكلما اتسعت المنطقة الرمادية في التعبير عن المواقف داخل المؤسسات المنتخبة، كلما تآكلت قدرة المواطن على فهم منطق القرار العمومي وتقييمه، وهو ما يضعف الثقة في الوسائط التمثيلية ويعزز الإحساس بالمسافة بين المنتخب والناخب.كما أن استمرار هذا النمط من المصادقة قد يؤدي إلى إنتاج سابقة معيارية غير منصوص عليها، قد تتحول تدريجيًا إلى عرف سياسي داخل الممارسة الجماعية، بما يفتح الباب أمام إعادة تعريف غير رسمية لمفاهيم التصويت ذاتها، وهو أمر بالغ الخطورة من منظور الأمن القانوني للقرارات الإدارية. فبدل أن تظل القواعد التصويتية محصورة في منطق واضح ومغلق، تصبح قابلة للتأويل المرن بحسب السياقات، مما يضعف استقرار المنظومة القانونية ويجعلها رهينة الاجتهادات الظرفية.ومن جهة أخرى، فإن ربط مثل هذه الصيغ بملفات التهيئة والتخطيط المجالي يكشف عن مفارقة عميقة، ذلك أن هذه الوثائق يفترض فيها أن تكون تعبيرًا عن رؤية استراتيجية طويلة المدى تُبنى على الدقة واليقين النسبي في توجيه المجال، في حين أن إدخال عناصر الغموض السياسي في مسار اعتمادها يحولها إلى منتجات تفاوضية أكثر منها أدوات تخطيطية صارمة. وهو ما قد ينعكس سلبًا على فعالية السياسات العمرانية، ويؤثر على انسجامها مع حاجيات الساكنة وانتظاراتها الواقعية.وبذلك، فإن إشكالية هذه الممارسة لا تكمن فقط في بعدها الإجرائي، بل في آثارها البنيوية على مفهوم القرار الجماعي ذاته، حيث يتم الانتقال تدريجيًا من منطق الحسم الديمقراطي إلى منطق التدبير التوافقي غير المعلن، ومن وضوح الإرادة السياسية إلى ضبابية المواقف، بما يجعل الفعل التمثيلي أقرب إلى إدارة التوازنات منه إلى إنتاج القرار العمومي الملزم. وهو ما يستدعي إعادة التفكير في هندسة آليات التصويت داخل الجماعات الترابية، ليس فقط من زاوية قانونية تقنية، بل أيضًا من منظور ديمقراطي مؤسساتي يضمن وضوح الفعل السياسي، ويعيد الاعتبار لمبدأ المسؤولية الكاملة عن المواقف المتخذة داخل الفضاء التمثيلي.
















