بينما كانت الساكنة تترقب انبعاث دماء جديدة في عروق السياسة المحلية بإقليم الناظور، جاءت رياح الكواليس بما لا تشتهيه سفن التغيير، حيث بدأت الوجوه التقليدية في حياكة خيوط مشهد انتخابي يغلب عليه طابع “الضيعة الخاصة”. فالأحزاب التي يُفترض فيها أن تكون مشاتل لإنتاج النخب، تحولت في غفلة من الزمن إلى قلاع محصنة ترفض الانفتاح، مكرسةً واقعاً مريراً يعيد تدوير نفس الأسماء والعائلات، وكأن الإقليم عقيم لا ينجب إلا من رحم الولاءات الأسرية الضيقة.
لقد اقتحمت “بنات القياديين” المشهد بقوة غير مسبوقة، ليس عبر بوابة النضال الميداني أو الرصيد الفكري، بل من خلال “المصاعد العائلية” التي تختصر المسافات، حيث كشفت المعطيات المسربة عن صراع محموم داخل الأروقة الحزبية لفرض أسماء معينة بناءً على “جينات” الآباء ونفوذهم المالي. هذا الزحف الأنثوي الممنهج داخل القوائم الانتخابية، لم يأتِ لتعزيز مقاربة النوع أو تمكين المرأة الكفؤة، بل جاء لتأمين استمرارية النفوذ السياسي للعائلات الكبرى التي ترى في البرلمان حقاً مكتسباً لا يمكن التفريط فيه.
الصدمة لم تتوقف عند حدود التزكيات، بل بلغت ذروتها مع ممارسات الابتزاز السياسي التي ينهجها بعض البرلمانيين الحاليين، الذين جعلوا من ترشيح بناتهم على رأس اللوائح الجهوية شرطاً لا يقبل القسمة على اثنين. فهؤلاء “الأعيان” الذين راكموا نفوذاً انتخابياً طيلة عقود، باتوا يضعون أحزابهم بين مطرقة القبول بطلباتهم أو سندان التمرد والرحيل، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول استقلالية القرار الحزبي أمام سطوة “الباطرونا” الانتخابية التي لا تؤمن إلا بمنطق الوريث والتركة.
وفي صورة أخرى من صور العبث، دخل رؤساء جماعات حضرية على خط المواجهة، مهددين بقلب الطاولة والاستقالة الجماعية إذا لم تُمنح “البركة الانتخابية” لفلذات أكبادهم لضمان مقعد وثير تحت قبة البرلمان. هذا السلوك يعكس انحداراً أخلاقياً في ممارسة العمل السياسي، حيث تحولت الجماعات والمؤسسات إلى أدوات للمقايضة، وصار طموح الشباب الطامح للتغيير يصطدم بجدار سميك من المصالح العائلية التي ترفض ترك المجال لأي طاقة لا تحمل “اللقب العائلي” المناسب.
المنطق نفسه انسحب على منتخبي الظل والفاعلين السابقين، الذين لا يزالون يحركون خيوط اللعبة من خلف الستار، مشترطين ولاءهم المطلق في استحقاقات سبتمبر 2026 مقابل تزكية الابنة أو الشقيقة. إن هذا الإصرار على “عقلية الإرث” يحول المقاعد النيابية من مسؤولية وطنية جسيمة تتطلب الترافع عن قضايا التنمية والعدالة الاجتماعية، إلى مجرد هدايا عائلية تُمنح في المناسبات الانتخابية، مما يفرغ المؤسسة التشريعية من جوهرها ويجعلها امتداداً للصالونات السياسية المغلقة.
هذا الواقع المتردي يفتح الجرح الغائر في جسد إقليم الناظور، الذي يرزح تحت وطأة تراجع الاستثمارات وتفشي البطالة وضعف الخدمات الأساسية، بينما يكرس ساسته طاقاتهم لترتيب “الميراث السياسي”. فبدلاً من صياغة برامج واقعية تنتشل الإقليم من ركوده الاقتصادي، نجد أن الأولوية القصوى أصبحت هي ضمان “الكرسي” للأبناء، في مشهد يكرس الإقصاء الممنهج للأطر والكفاءات الحقيقية التي تمتلك الرؤية والإرادة، لكنها لا تملك “الاسم العائلي” الذي يفتح الأبواب الموصدة.
ختاماً، إن ما يحدث اليوم هو عملية “اغتيال” واضحة لمبدأ تكافؤ الفرص وللآمال المعقودة على المسار الديمقراطي بالإقليم، حيث يتم استبدال الكفاءة بالقرابة، والنضال بالولاء العائلي. إن الاستمرار في هذا النهج “التوريثي” المقيت لن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين المواطن وصندوق الاقتراع، وسيظل الناظور رهينة لعائلات تتعامل مع الشأن العام كملك غابة، ما لم تتحرك الضمائر الحية لوضع حد لهذا النزيف الذي يحول السياسة من خدمة للصالح العام إلى تجارة رابحة للأقربين.














