لم تكشف بطولة كأس إفريقيا 2025، التي يحتضنها المغرب، فقط عن مستويات الكرة الإفريقية، بل عرّت بشكل صارخ أعطاباً بنيوية في طريقة تدبير الدولة لقطاع السياحة، وأظهرت الهوة السحيقة بين الخطاب الرسمي المعلّب والواقع الشعبي الحي.البطولة تحولت، من حيث لا تدري المؤسسات، إلى أكبر حملة ترويج سياحي مجانية في تاريخ المغرب، ليس بفضل خطط الوزارة ولا بفضل المؤثرين “المعتمدين”، بل بفضل جمهور إفريقي بسيط جاء ليشجع منتخبه، فصار دون مقابل مالي أو امتيازات رسمية أقوى آلة تسويق للبلاد.
هذا الجمهور، عبر مقاطع الفيديو العفوية، البثوث المباشرة، الصور، والتعليقات الصادقة من الملاعب، الأزقة، الشواطئ، الفنادق، والأسواق الشعبية، قدّم صورة حقيقية للمغرب: صورة غير مصقولة، لكنها جذابة، إنسانية، وقابلة للتصديق. صورة لم تستطع أي حملة إشهارية بمليارات السنتيمات، ولا أي “مؤثر رسمي”، أن تحقق عُشر تأثيرها.
في الجهة المقابلة، يظهر فشل ذريع لعقلية المؤثرين المغاربة التي كرّستها الجامعة الملكية لكرة القدم وبعض المنابر الإعلامية المحيطة بها. مؤثرون لا يتحركون إلا إذا ضُمنت لهم التذاكر، الإقامة، الوجبات، وتعويضات خفية أو معلنة، ومنابر إعلامية لا ترى في التظاهرات الرياضية سوى فرصة لرفع نسب المشاهدة ومداخيل “الأدسنس”، ولو على حساب صورة البلد ومصالحه الإستراتيجية. لا حديث عن السياحة، لا اهتمام بالإقتصاد المحلي، ولا رؤية استباقية استعداداً لكأس العالم، فقط سباق محموم نحو “اللايك” و”المشاهدة” و”الترند”.
الأخطر من ذلك أن هذا النموذج كرّس محتوى مصطنعاً، بارداً، ومكرراً، يفتقد لأي صدق أو تأثير. كاميرات موجهة نحو الذات، خطابات مديح فارغة، و”تغطيات” لا تتجاوز حدود المدرجات والفنادق الفاخرة، وكأن المغرب يُختزل في VIP وصور محسوبة الزوايا. هذا ليس تأثيراً رقمياً، بل تسويق كسول يسيء للبلد أكثر مما يخدمه.
كأس إفريقيا أظهرت بوضوح أن “المؤثر الحقيقي” لا تصنعه الجامعة ولا تختاره المؤسسات، بل يفرض نفسه بالصدق والعفوية. المؤثر الحقيقي هو من ينقل التجربة كما هي، لا كما يُطلب منه. هو الجمهور الأجنبي الذي وثّق لحظة المتعة، الاكتشاف، والاندهاش، دون عقد رعاية ولا فواتير إشهار. في المقابل، كثير من المؤثرين المحليين سقطوا في امتحان الوطنية الرقمية، وفضّلوا منطق الريع على منطق الخدمة العامة.
الإشكال لم يعد إعلامياً فقط، بل سياسياً وإقتصادياً. فالمغرب، وهو مقبل على استحقاق عالمي بحجم كأس العالم، لا يمكنه الإستمرار بعقلية “مؤثري الأدسنس” ومنابر التطبيل الظرفي. الترويج الحقيقي للسياحة والإقتصاد يحتاج إلى رؤية ذكية تستثمر في المحتوى العفوي، في المواطن، في الزائر، وفي التجربة الحقيقية، لا في شبكات المصالح الرقمية التي لا ترى في الوطن سوى فرصة ربح سريع.
بطولة كأس إفريقيا 2025 كانت درساً قاسياً: التأثير لا يُشترى، والصدق لا يُموَّل، وصورة المغرب لا تُبنى عبر محتوى مدفوع فاقد للروح.
السؤال اليوم ليس ماذا حقق المؤثرون، بل ماذا أضاعوا؟ وهل ستستمر المؤسسات في الرهان على منابر ومؤثرين (سعايا التيك توك) لا همّ لهم سوى مداخيل الأدسنس، أم ستدرك أخيراً أن أعظم سفراء المغرب هم أولئك الذين عاشوا التجربة ونقلوها بصدق وبالمجان.















