منذ استقلال المغرب، عرفت مختلف جهات المملكة مسارات متعددة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. أما منطقة الريف الشرقي، وخاصة الناظور ومارتشيكا والدريوش ومناطق الشرق الحدودية، فقد تشكل مسارها الاقتصادي بشكل كبير تحت تأثير موقعها الجغرافي وقربها من مليلية والحدود الجزائرية.
بالنسبة إلى جزء كبير من شباب الستينيات وما بعدها، أصبحت أوروبا رمزاً للنجاح الاجتماعي والاقتصادي، بينما تحولت التجارة الحدودية غير المهيكلة إلى مصدر رزق لآلاف الأسر. ومع مرور السنوات، أصبح هذا النموذج الاقتصادي جزءاً من الحياة اليومية والثقافة الاقتصادية للمنطقة.
لكن هذا النموذج كان يحمل في داخله حدوداً ومخاطر كبيرة، لأنه جعل جزءاً من الاقتصاد المحلي مرتبطاً بالحدود وبالأسواق الخارجية، في الوقت الذي ظل فيه التصنيع والاستثمار المنتج في المنطقة دون المستوى الذي تسمح به مؤهلاتها.
كما ظهرت مع مرور الوقت تحديات أخرى، من بينها شبكات الاتجار غير المشروع بالمخدرات والهجرة غير النظامية نحو أوروبا.
ومع ذلك، من الخطأ اختزال هذه الظواهر في كونها اختياراً جماعياً لسكان المنطقة. فهي نتيجة تداخل عوامل تاريخية وجغرافية واقتصادية واجتماعية، من بينها ضعف البدائل الاقتصادية والاعتماد الطويل على الاقتصاد غير المهيكل.
لقد عززت الأحداث الإرهابية التي عرفها المغرب، وخاصة أحداث الدار البيضاء سنة 2003، الحاجة إلى تشديد محاربة الجريمة المنظمة وحماية الحدود.
لكن الأمن وحده لا يمكن أن يكون سياسة للتنمية.
وقد كشفت جائحة كوفيد-19 وإغلاق الحدود، وخاصة إغلاق معبر بني أنصار مع مليلية، هشاشة النموذج الاقتصادي التقليدي للمنطقة. فقد وجدت فئات واسعة من التجار والأسر نفسها أمام أزمة اقتصادية واجتماعية حقيقية.
وهنا برزت ضرورة الانتقال إلى مرحلة جديدة:
من اقتصاد يعتمد على الحدود إلى اقتصاد يعتمد على الإنتاج والاستثمار والصناعة والسياحة والفلاحة الحديثة واللوجستيك والمقاولة.
وقد أطلقت الدولة المغربية مشاريع استراتيجية كبرى، وفي مقدمتها ميناء الناظور غرب المتوسط، القادر على أن يشكل محركاً اقتصادياً ليس فقط للناظور، بل للريف الشرقي ومنطقة الشرق بأكملها.
لكن البنية التحتية وحدها لا تكفي.
فالمرحلة الجديدة تتطلب أيضاً انخراط الأحزاب السياسية والجمعيات والمجتمع المدني والمنتخبين والمثقفين ورجال الأعمال، ليس فقط للمطالبة بالمشاريع، وإنما للمساهمة في إعداد المواطن لثقافة اقتصادية ومدنية جديدة تقوم على العمل المنتج، والتكوين، والمقاولة، والاستثمار المحلي، واحترام القانون والانفتاح الدولي المشروع.
إن التحدي الحقيقي أمام الريف الشرقي هو تحويل منطقة ظلت لسنوات طويلة مرتبطة بالحدود إلى قطب اقتصادي استراتيجي في المغرب المتوسطي.
لم يعد من المقبول أن يكون حلم الشاب الوحيد هو الهجرة إلى أوروبا.
بل يجب أن يصبح أمامه حلم آخر:
أن يبقى في وطنه، وأن يستثمر، ويعمل، ويخلق مشروعه، ويحقق نجاحه داخل منطقته.
لا ينبغي أن تكون أوروبا مجرد حلم للهجرة، بل يجب أن تصبح شريكاً اقتصادياً وتجارياً وعلمياً وثقافياً.
إن الريف الشرقي يمتلك موارد بشرية مهمة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، وجالية واسعة بالخارج، وإمكانات اقتصادية كبيرة، ومشاريع كبرى يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة.
لقد حان الوقت للانتقال من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد التنمية، ومن التبعية للحدود إلى الانفتاح الدولي، ومن حلم الهجرة إلى حلم النجاح داخل الريف نفسه.
إن نجاح هذه المرحلة لا يعتمد على الدولة وحدها، بل يحتاج إلى مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والأحزاب والجمعيات والنخب المحلية.
فالتنمية الحقيقية ليست فقط بناء الموانئ والطرق والمناطق الصناعية، وإنما بناء الإنسان القادر على استثمار هذه المشاريع وتحويلها إلى فرص عمل وثروة واستقرار وكرامة.













