لم يعد السؤال، في كثير من الأحيان، هو: من يملك الكفاءة والقدرة على تمثيل المواطنين تحت قبة البرلمان؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: من يملك مفتاح التزكية؟ ومن يحظى بثقة قيادة الحزب؟ ومن يحمل اسماً عائلياً قادراً على فتح الأبواب التي تظل موصدة أمام أسماء أخرى، مهما كانت مؤهلاتها وتجربتها؟
حين تكشف المعطيات عن وجود نواب ونائبات ينتمون إلى عدد محدود من العائلات، موزعين على أحزاب مختلفة، فإن الأمر يستحق أكثر من مجرد التعليق العابر. إنه يفتح النقاش حول طبيعة النخب التي تنتجها الأحزاب السياسية، وحول مدى تكافؤ الفرص داخلها، وحول ما إذا كانت التزكية أصبحت امتيازاً يُمنح وفق شبكات العلاقات والقرابة والنفوذ بدل أن تكون ثمرة مسار سياسي وتنظيمي وكفاءة انتخابية.
المشكلة ليست في أن ينتمي أفراد من العائلة نفسها إلى العمل السياسي؛ فهذا حق لا يمكن مصادرته. المشكلة تبدأ عندما تتحول القرابة إلى رأسمال سياسي، وحين يصبح الاسم العائلي أقوى من البرنامج، والعلاقات أقوى من الكفاءة، والولاء التنظيمي أقوى من القدرة على الإقناع والترافع.
هنا تحديداً تبرز إشكالية ما يمكن وصفه بـ “زبونية التزكية”: مناضلون يقضون سنوات داخل التنظيمات الحزبية، وشباب يحملون أفكاراً جديدة، وكفاءات مستقلة تمتلك ما تقدمه للمجتمع، ثم يجدون أنفسهم خارج السباق لأن القرار النهائي لا يُحسم دائماً في الميدان، وإنما في غرف مغلقة تحدد من يستحق المرور ومن عليه الانتظار.
والأخطر أن هذا المنطق يقتل السياسة من داخلها. فعندما يقتنع المواطن بأن الوصول إلى البرلمان مرتبط بشبكة علاقات أو اسم عائلي أو قرب من مراكز القرار الحزبي، فإن الثقة في المؤسسات تتراجع، وتتحول الانتخابات من مناسبة للتنافس على البرامج إلى سباق للبحث عن مفاتيح النفوذ.
فأي رسالة تُبعث إلى شاب يؤمن بالعمل السياسي حين يرى أن الطريق إلى الترشح قد يكون أطول بكثير من الطريق الذي يسلكه صاحب النفوذ والعلاقات؟
وأي معنى نتحدث عنه عندما ندعو الشباب إلى الانخراط في الأحزاب، ثم لا نمنحهم بالضرورة فرصة حقيقية للتنافس على مواقع المسؤولية؟
الأحزاب السياسية ليست ملكيات خاصة، والبرلمان ليس مجلساً عائلياً، والتزكية ليست شيكاً يُصرف لمن يملك أقوى شبكة علاقات. الأحزاب مؤسسات يفترض أن تنتج النخب، وتفتح المجال أمام التنافس الداخلي، وتمنح الأولوية للكفاءة والنزاهة والقدرة على تمثيل المواطنين.
أما أن تتحول بعض التنظيمات إلى دوائر مغلقة يعاد فيها تدوير الأسماء نفسها والعائلات نفسها، فذلك يهدد جوهر العمل الحزبي، ويجعل سؤال الديمقراطية الداخلية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
المطلوب اليوم ليس محاربة العائلات، ولا التشكيك في نزاهة كل نائب ينتمي إلى عائلة سياسية، وإنما محاسبة الأحزاب سياسياً وأخلاقياً على معايير الاختيار والتزكية: لماذا هذا الاسم؟ ما مساره؟ ما كفاءته؟ ماذا قدم للمنطقة؟ وما الذي يجعله أفضل من شاب أو مناضل أو كفاءة أخرى؟
فالبرلمان يجب أن يكون مرآة للمجتمع، لا مرآة لشبكات النفوذ. والانتخابات يجب أن تكون فرصة لتجديد النخب، لا آلية لإعادة إنتاجها.
وفي النهاية، يبقى المواطن هو الحكم الحقيقي: فإذا كانت الأحزاب تريد استعادة الثقة، فعليها أن تفتح أبوابها للكفاءة، وأن تجعل التزكية نتيجة لمسار واضح وقابل للتبرير، لا امتيازاً غامضاً تمنحه العلاقات.
السياسة ليست إرثاً عائلياً، والتمثيلية الشعبية ليست ملكية تُورَّث. ومن يريد مقعداً تحت قبة البرلمان، عليه أن يربح ثقة المواطنين قبل أن يبحث عن رضا أصحاب القرار داخل الحزب.














