شكل رحيل المفكر والمناضل الأمازيغي محمد بودهان خسارة جسيمة للحركة الأمازيغية وللمشهد الثقافي والفكري بالمغرب، إذ يُعد من بين الأسماء التي ساهمت بعمق في بلورة الخطاب الأمازيغي المعاصر، وربط النضال الهوياتي بالبعد الفكري والإنساني.وُلد الراحل في وسط أمازيغي محافظ، وتشكل وعيه المبكر على قضايا الهوية واللغة والثقافة، في سياق تاريخي اتسم بتهميش الأمازيغية وإقصائها من الفضاءين الرسمي والمؤسساتي.
هذا الواقع دفعه، منذ سنوات شبابه، إلى الانخراط في مسار نضالي هادئ لكنه عميق، قائم على الفكر والتحليل والنقد البناء.تميّز محمد بودهان بكونه مناضلًا مفكرًا، لم يختزل الأمازيغية في بعدها اللغوي فقط، بل تعامل معها باعتبارها مشروعًا ثقافيًا وحضاريًا متكاملًا، مرتبطًا بالديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. وقد عُرف بكتاباته ومداخلاته التي اتسمت بالرصانة والعمق، وبابتعاده عن الشعبوية أو التشنج الإيديولوجي.
ساهم الراحل في النقاش العمومي حول القضية الأمازيغية، سواء عبر المقالات أو الندوات أو اللقاءات الفكرية، وكان صوته حاضرًا في الدفاع عن دسترة الأمازيغية، ورد الاعتبار للتاريخ والثقافة الأمازيغيين، مع التأكيد الدائم على وحدة المغاربة في إطار التنوع.كما عُرف محمد بودهان بأخلاقه العالية وتواضعه الكبير، وباحترامه للاختلاف داخل الحركة الأمازيغية نفسها، إذ كان يؤمن بأن قوة هذه الحركة تكمن في تعدد رؤاها وتياراتها، ما دامت تجمعها غاية واحدة هي كرامة الإنسان الأمازيغي والاعتراف الكامل بهويته.
برحيله، تفقد الحركة الأمازيغية أحد حكمائها، وتفقد الساحة الفكرية المغربية عقلًا نقديًا هادئًا، آمن بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الوعي، وأن النضال بالكلمة لا يقل قيمة عن أي شكل آخر من أشكال النضال.رحم الله محمد بودهان رحمة واسعة، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وألهم أهله ورفاقه ومحبيه الصبر والسلوان.وإنا لله وإنا إليه راجعون.
















