في الوقت الذي ينتظر فيه موظفون سنوات طويلة من أجل ترقية مستحقة، ويقطع آخرون مسافات مهنية شاقة قبل الوصول إلى منصب مسؤولية، تبرز مسارات وظيفية خاطفة تطرح سؤالاً محرجاً: هل ما زالت الكفاءة وحدها كافية للصعود داخل الإدارة المغربية؟
أثار إعفاء وزيرة منتدبة لدى وزير التربية الوطنية نقاشاً يتجاوز حدود التعديل الحكومي، ليعيد إلى الواجهة مساراً وظيفياً يثير، وفق المعطيات المتداولة، تساؤلات حول معايير التعيين والترقي وتولي مناصب المسؤولية.
نتحدث عن شاب من مواليد سنة 1994، تخرج من المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بطنجة سنة 2016، والتحق بالإدارة المركزية لوزارة الداخلية، قبل انتقاله إلى وزارة المالية، ثم تعيينه مديراً للشؤون الإدارية والمالية بوزارة الثقافة سنة 2023، وصولاً إلى منصب الكاتب العام للوزارة، ثم ترشيحه وزيراً منتدباً.
مسار يستحق، على الأقل، أن تُشرح للرأي العام قواعده ومعاييره: كيف تمت الانتقالات بين القطاعات؟ ما الشروط التي حكمت التعيين في مناصب المسؤولية؟ وهل روعيت مقتضيات الأقدمية والخبرة والمساطر القانونية في كل مرحلة؟
لسنا هنا بصدد التشكيك في كفاءة شخص أو الاعتراض على حقه في الطموح، وإنما نتساءل عن عدالة المنظومة التي تتيح هذا الصعود السريع، بينما ينتظر موظفون آخرون سنوات طويلة للترقي، رغم تراكم التجربة وتحمّل المسؤوليات واجتياز المباريات المهنية.
هناك أطر إدارية ما تزال في السلم الحادي عشر، وأخرى تنتظر فرصة لإثبات كفاءتها في مناصب المسؤولية، فيما تتحول بعض المسارات، في نظر الموظفين، إلى سباق يبدو أن له قواعد لا يعرفها الجميع.
وهنا تكمن المفارقة: نطالب الشباب بالاجتهاد والمثابرة، ونحث الموظفين على تطوير مؤهلاتهم، ثم نتركهم أمام مسارات استثنائية لا يجدون لها تفسيراً واضحاً. فكيف نطلب منهم الإيمان بالاستحقاق، إذا لم تكن معايير الوصول إلى المناصب العليا معلنة ومفهومة وقابلة للمراقبة؟
إن كان المسار سليماً قانونياً، فلتُوضَّح قواعده. وإن كانت هناك استثناءات، فلتُبيَّن مبرراتها. أما ترك الأسئلة معلقة، فيفتح الباب أمام الشكوك ويغذي الاعتقاد بأن القرب من مراكز القرار قد يكون أحياناً أسرع من سنوات العمل والاجتهاد.
المشكلة ليست في أن يصعد أحدهم بسرعة، بل في أن يظل الآخرون عاجزين عن معرفة الطريق الذي صعد منه.
أما ترشيحه لمنصب سياسي، فذلك شأن آخر تحكمه اعتبارات سياسية، ولا يشكل في حد ذاته دليلاً على وجود مخالفة إدارية. لكن الانتقال إلى المسؤولية السياسية لا ينبغي أن يحجب حق الموظفين والرأي العام في مساءلة المسارات المهنية التي تثير تساؤلات مشروعة.
وبينما ينشغل البعض بوزير الذكاء الاصطناعي، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً هو: متى يصبح الذكاء الإداري المغربي قادراً على بناء منظومة تكافئ الكفاءة، وتحمي تكافؤ الفرص، وتضع حداً لكل ما يجعل الاستحقاق موضع شك؟
فالإدارة العادلة لا تمنع أحداً من الصعود، لكنها تضمن ألا يتحول السلم الوظيفي إلى امتياز لا يعرف مفاتيحه إلا المحظوظون.












