fbpx

دكتور مراغ يكتب:”حين يتحدث الطب عن الحياة ويقف الإنسان أمام حقيقة الموت”

Lisan Press27 أكتوبر 2026
دكتور مراغ يكتب:”حين يتحدث الطب عن الحياة ويقف الإنسان أمام حقيقة الموت”

🩺 حين يتحدث الطب عن الحياة… ويقف الإنسان أمام حقيقة الموت

✍️ بقلم الدكتور مراغ عبد الرحيم

في مسيرتي الطبية، يزداد يقيني بأن الإنسان، مهما بلغت قوته أو ثروته أو مكانته، يظل كائناً هشّاً أمام قوانين الحياة. فقد تتغير حياة إنسان في لحظة، ويصبح ما كان يراه أمراً عادياً حلماً يتمنى استعادته: نفسٌ هادئ، وقلبٌ ينبض بانتظام، وجسدٌ قادر على الحركة، ووجودٌ يجمعه بمن يحب.

نحن نعيش أحياناً وكأن أعمارنا لا تنتهي، نطارد المال والمناصب، ونتصارع على أمور زائلة، ونؤجل الفرح والمحبة والاعتذار، متناسين أن الزمن لا ينتظر أحداً، وأن الصحة التي نعتبرها أمراً مضموناً قد تصبح أعظم أمنياتنا حين نفقدها.

لقد منح الطب الإنسان قدرة عظيمة على فهم الجسد، ومقاومة الأمراض، وإنقاذ الأرواح، لكنه لم يمنحه سلطة مطلقة على الزمن، ولم يجعل الخلود حقيقة متاحة.

وهنا تتجلى عظمة الرسالة الطبية: ليست في علاج المرض وحده، بل في تخفيف الألم، وحماية الكرامة، وإعطاء الأمل، ومرافقة الإنسان حتى في اللحظات التي يعجز فيها العلم عن تحقيق الشفاء.

فما قيمة أن نطيل أعمارنا إذا فقدنا إنسانيتنا؟ وما جدوى أن نملك العالم إذا عجزنا عن شراء راحة الضمير؟ وما معنى النجاح إذا مررنا في الحياة دون أن نخفف ألماً، أو نزرع أملاً، أو نترك أثراً طيباً في قلب إنسان؟

إن الموت حقيقة بيولوجية لا يمكن تجاهلها، لكن الوعي بها لا ينبغي أن يجعلنا نخاف الحياة، بل أن نعيشها بعمق أكبر. أن نهتم بصحتنا قبل المرض، وبأحبائنا قبل الفراق، وبأخلاقنا قبل أن نحاسب أنفسنا على ما فات.

نحن لا نختار يوم ولادتنا، ولا نعرف يوم رحيلنا، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعيش ما بينهما.

قد ينتهي عمر الإنسان، لكن أثره قد يستمر في علمٍ علّمه، ومريضٍ ساعده، وإنسانٍ واساه، وكلمةٍ أعادت الأمل إلى نفسٍ يائسة. وهنا يكمن الفرق بين من يمر في الحياة ومن يترك فيها بصمة.

ومن منظور الطب والفلسفة معاً، تظل الحياة أغلى من أن تُختزل في نبضات القلب، وأعمق من أن تُقاس بعدد السنوات، وأجمل حين تتحول إلى رسالة إنسانية قوامها المعرفة والرحمة والعطاء.

تذكّروا دائماً: قد لا نستطيع أن نضيف إلى أعمارنا ما نشاء من السنوات، لكننا نستطيع أن نضيف إلى سنواتنا ما يجعلها جديرة بأن تُعاش.

فلنحافظ على صحتنا، ولنرحم ضعف بعضنا، ولنقل كلمة طيبة قبل فوات الأوان، ولنترك وراءنا خيراً يشهد لنا حين نصبح ذكرى.

ففي النهاية، لا يُقاس الإنسان بما جمعه من الدنيا، بل بما منحه لها من خير، ولا بعمره وحده، بل بالأثر الذي تركه في حياة الآخرين.

الحياة فرصة محدودة، والطب يحميها ما استطاع، أما إنسانيتنا فهي التي تمنحها معناها.

دكتور مراغ يكتب:”حين يتحدث الطب عن الحياة ويقف الإنسان أمام حقيقة الموت”
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة