fbpx

اليوم الأول من الحملة الانتخابية: حملة كثيرة الصور وقليلة السياسة

Lisan Press11 سبتمبر 2026
اليوم الأول من الحملة الانتخابية: حملة كثيرة الصور وقليلة السياسة

مصطفى قريشي


انطلقت الحملة الانتخابية الخاصة بالانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر 2026، وسط تنافس قوي بإقليم الناظور، حيث تتبارى 17 لائحة انتخابية على أربعة مقاعد فقط؛ أي بمعدل يزيد على أربع لوائح عن كل مقعد. وهو معطى يجعل الدائرة من أكثر الدوائر تنافسية، ويرفع كلفة الوصول إلى الناخب وإقناعه، خصوصاً أمام تشتت العرض الحزبي وتقارب عدد من الخطابات والوسائل المستعملة.
وبناء على رصد أولي للحضور الإعلامي والرقمي والتحركات الميدانية والخطابات المتداولة في اليوم الأول، يمكن تسجيل الملاحظات التقييمية الآتية:
1-انطلاقة غير متكافئة وغياب عدد من اللوائح
أولى الملاحظات أن اللوائح السبع عشرة لم تنطلق بالوتيرة نفسها؛ فقد ظهرت بعض اللوائح إعلاميا وميدانيا منذ الساعات الأولى، بينما ظل عدد غير قليل منها شبه غائب أو اكتفى بحضور رمزي محدود.
هذا التأخر قد يعكس ضعف الجاهزية التنظيمية أو غياب خطة مضبوطة للحملة أو انتظار ترتيبات محلية لم تُحسم بعد. وفي حملة انتخابية قصيرة، لا يُعد اليوم الأول يوما بروتوكوليا، بل لحظة حاسمة لتثبيت الصورة الأولى لدى الناخبين ووسائل الإعلام.
2-الحضور الإعلامي سبق الحضور الميداني
ركزت أغلب الأحزاب واللوائح التي ظهرت في اليوم الأول على مخاطبة الناخبين عبر الصور والملصقات والفيديوهات والبيانات المنشورة في مواقع التواصل الاجتماعي.
غير أن هذا الحضور بدا، في عدد من الحالات، أقرب إلى إعلان الوجود الانتخابي منه إلى إطلاق تواصل سياسي حقيقي. فقد حضرت صور المرشحين والشعارات بكثافة، بينما ظل عرض البرامج والحلول والالتزامات الدقيقة محدودا. وبذلك تقدمت الصورة على الفكرة، وسبق التسويقُ السياسيَّ.
واكتفت المنابر الإعلامية بعرض ما يقدم لها من المرشحين دون أن يكون هناك نوع من الصنعة الإعلامية في إثارة التساؤلات الكبرى للناخبين.
3-انطلاق بعض الحملات من مناطق نفوذ وكلاء اللوائح
اختارت بعض اللوائح الانطلاق من الجماعات أو المناطق التي ينحدر منها وكيل اللائحة أو يتمتع فيها بامتداد انتخابي واجتماعي، وهو اختيار مفهوم من زاوية تعبئة القاعدة الأولية وخلق زخم سريع.
لكن هذا الأسلوب ينطوي على مخاطرة حصر الحملة في النفوذ الشخصي لوكيل اللائحة، بدلا من تقديمها باعتبارها حملة إقليمية تخاطب جميع ساكنة الناظور. فالمطلوب هو الانتقال السريع من منطق المعقل الانتخابي إلى منطق الدائرة الانتخابية بكاملها.
4-غلبة الشخصنة على الهوية الحزبية والعمل الجماعي
أظهرت المواد المنشورة أن عددا من الحملات ما يزال يدور حول شخص وكيل اللائحة: صورته، اسمه، مساره وتحركاته، مقابل حضور باهت لبقية أعضاء اللائحة وللهوية السياسية والبرنامجية للحزب.
هذه الشخصنة تجعل الحملة أقرب إلى منافسة بين أفراد منها إلى منافسة بين مشاريع سياسية. كما أنها تطرح سؤالاً حول الدور الحقيقي لبقية المرشحين: هل هم أعضاء في فريق انتخابي متكامل، أم مجرد أسماء لاستكمال اللائحة؟
5-ارتجالية ظاهرة في الإخراج والتواصل
كشفت بعض المنشورات والتحركات الأولى عن نقص في التخطيط المسبق، سواء من حيث تفاوت جودة الصور والفيديوهات، أو ضعف تنسيق الرسائل، أو غياب هوية بصرية موحدة، أو نشر مضامين لا تحمل فكرة سياسية واضحة.
ويبدو أن بعض الفرق دخلت الحملة بمنطق رد الفعل: نشر صورة لأن المنافس نشر صورة، وتنظيم جولة لأن لائحة أخرى تحركت، من دون رزنامة معلنة أو توزيع واضح للأدوار. الحملة الاحترافية لا تُبنى بمنطق اللحظة، بل على برنامج يومي يحدد المكان والجمهور والرسالة والوسيلة والنتيجة المنتظرة.
6-استمرار الاعتماد على الوسائل التقليدية
ما تزال الجولة الجماعية، والملصق، والسيارات، والمصافحة، وزيارة المقاهي والأسواق، وترديد الشعارات، تشكل العمود الفقري لعدد من الحملات، أي إحداث ضجيج قوي يقترب من استعراض القوة يغطي على المضمون، مواكب السيارات ومواكب الشباب خلف وكيل اللائحة يعطي انطباع بالقوة والاكتساح.
كما أن عدد من الخطابات السياسية تقتصر على تقييم العمل الحكومي او البرلماني السابق أكثر من إعطاء رؤية العمل والبرنامج السياسي للمرشح.
هذه الوسائل والخطابات لا تزال مفيدة، لكنها تصبح محدودة عندما تُستخدم وحدها أو بالطريقة نفسها التي استُعملت بها في الانتخابات السابقة. الناخب اليوم لا يبحث فقط عن رؤية شخص المرشح، بل يريد أن يعرف: ماذا يقترح؟ كيف سيدافع عن الإقليم؟ وما القيمة المضافة التي يقدمها مقارنة ببقية اللوائح؟
المشكل ليس في استعمال الوسائل التقليدية، بل في تقليدية الرسالة نفسها.
7-ضعف الخطاب البرنامجي المحلي
لم تتبلور خلال الانطلاقة، لدى أغلب اللوائح، رسائل دقيقة تربط الانتخابات التشريعية بالقضايا الكبرى لإقليم الناظور: الصحة، التشغيل، الاستثمار، البنيات الجامعية، الماء، النقل، العالم القروي، الهجرة، الحدود، الاقتصاد غير المهيكل، ميناء الناظور غرب المتوسط، وربط الإقليم بمراكز القرار.
وظلت بعض الخطابات عامة، تصلح لأي مدينة أو دائرة انتخابية: “التغيير”، “خدمة المواطن”، “الدفاع عن الساكنة” و“المستقبل الأفضل” و ” نحن المستقبل” و ” المرشح النزيه” وهي عبارات تحفيزية، لكنها لا تكفي لتأسيس تعاقد انتخابي قابل للتقييم والمحاسبة.
8-غياب شبه كامل للنقاش السياسي بين اللوائح
على الرغم من وجود 17 لائحة، لم يظهر في اليوم الأول نقاش سياسي واضح حول البرامج والاختيارات والأولويات. ولا تزال المنافسة محكومة بمن يظهر أكثر، ومن يجمع عددا أكبر من المؤيدين في الصور، ومن ينظم جولة أكبر.
القيمة الديمقراطية للحملة لا تقاس فقط بكثافة التحركات، وإنما بقدرتها على إنتاج نقاش عمومي. وكان يفترض أن يدفع هذا العدد الكبير من اللوائح إلى عرض بدائل مختلفة، لكنه قد يتحول، إن استمر ضعف الخطاب، إلى تعدد في الصور ونسخ متشابهة من الكلام.
وغياب اللمز والغمز بين اللوائح والمرشحين الذي يمكن أن يخلق تنافس قوي وخطابات سياسية ترتبط بواقع الإقليم وتخلق نوع من الإثارة التي ترفع من منسوب متابعة المواطنين للحملة وبالتالي رفع نسبة المشاركة، لا أتحدث عن الخطاب الشعبوي، ولكن إقليم الناظور به أزيد من 23 جماعة أغلبها عالم قروي وبالتالي يحتاج إلى حرارة أكبر.
لكن يبدو أن جل اللوائح نأت بنفسها عن دخول هذا المسار إما لضعف القدرة البشرية والحجة والمعلومة أو مخافة ضياع التركيز على القاعدة الانتخابية…
9-حضور رقمي كمي أكثر منه تفاعليا
استُعملت شبكات التواصل بكثافة، لكنها استُعملت غالبا كلوحات إلكترونية لتعليق الصور والبلاغات، لا كفضاءات للحوار مع الناخبين.
لم تظهر بعد، بصورة واسعة، آليات أكثر فعالية مثل اللقاءات الرقمية المباشرة، والفيديوهات الموضوعاتية القصيرة، والإجابة عن أسئلة المواطنين، وتبسيط البرنامج، ونشر جدول الحملة، وتصحيح الأخبار غير الدقيقة، وتقديم التزامات قابلة للقياس.
كما أن ارتفاع عدد المشاهدات أو الإعجابات لا يعني بالضرورة اتساع القاعدة الانتخابية، لأن الانتشار الرقمي ليس مرادفاً للرصيد الانتخابي.
10-اليوم الأول لم يكشف بعد عن موازين القوى الحقيقية
لا تسمح كثافة الصور أو حجم المواكب أو التفاعل الرقمي في اليوم الأول بترتيب اللوائح أو استباق النتائج. فالقوة الانتخابية في دائرة مثل الناظور ترتبط بعوامل متداخلة: الانتشار الترابي، التنظيم المحلي، سمعة المرشحين، قدرة أعضاء اللائحة على جلب الأصوات، الخطاب، التعبئة يوم الاقتراع ومدى الوصول إلى الفئات المترددة.
مع ذلك، كشف اليوم الأول عن ثلاثة أصناف أولية:
-لوائح دخلت الحملة بحد أدنى من التنظيم والحضور المتزامن إعلاميا وميدانيا.
-لوائح تمتلك حضورا شخصيا أو مجاليا، لكنها لم تعرض بعد خطابا إقليميا متكاملا.
-لوائح لم يظهر لها أثر كاف، بما يطرح سؤال الجاهزية والقدرة على تغطية دائرة واسعة خلال مدة قصيرة.
يمكن وصف اليوم الأول بأنه انطلاقة انتخابية كثيرة الصور، متفاوتة الحضور، محدودة البرامج، وما تزال محكومة بالأدوات التقليدية والشخصنة والارتجال.
التنافس العددي قوي: 17 لائحة على أربعة مقاعد. لكن التنافس السياسي والبرنامجي لم يصل بعد إلى المستوى الذي يوازي هذا العدد. فقد بدأت معركة الظهور، ولم تبدأ بصورة كاملة بعد معركة الأفكار والحلول.
واللائحة التي تريد التقدم خلال الأيام المقبلة مطالبة بالانتقال:
-من عرض الأشخاص إلى عرض المشروع.
-من مخاطبة الأنصار إلى إقناع المترددين.
-من معقل وكيل اللائحة إلى مجموع تراب الإقليم.
-من الصور الجماعية إلى الالتزامات الدقيقة.
-من الحضور الرقمي الكمي إلى الحوار والتفاعل.
-ومن ترديد الشعارات إلى تقديم أجوبة قابلة للمحاسبة.
التقييم العام لبداية الحملة: حضور إعلامي متوسط، انطلاقة ميدانية متفاوتة، خطاب برامجي ضعيف، واحترافية تنظيمية لم تتضح بعد. أما الحكم الحقيقي، فلن يكون لمن ظهر أكثر في اليوم الأول، بل لمن يستطيع أن يحول الظهور إلى ثقة، والثقة إلى أصوات

اليوم الأول من الحملة الانتخابية: حملة كثيرة الصور وقليلة السياسة
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة