لم يعد الحديث عن تعثر المجلس الإقليمي للناظور مجرد نقد عابر، بل أصبح توصيفًا لواقع مؤلم تعيشه مؤسسة يفترض أن تكون رافعة للتنمية الترابية، فإذا بها تتحول إلى كيان فاقد للبوصلة، مرتبك في قراراته، ومشلول في أدائه.
المشكلة اليوم لم تعد فقط في ضعف الإمكانيات أو محدودية الصلاحيات، بل في غياب رؤية استراتيجية واضحة المعالم. فلا أثر لمخطط تنموي منسجم، ولا تصور متوسط أو بعيد المدى يستجيب لحاجيات الإقليم، بل قرارات ظرفية موسمية، ومبادرات معزولة بلا عمق ولا أثر مستدام.
التنمية لا تُبنى بالارتجال، ولا تُدار بمنطق ردّ الفعل، ولا بالإملاءات التي تنزل من رؤساء أقسام بعمتلة ناظور او قيادات حزب الرئيس ،بل برؤية علمية دقيقة، وهو ما يفتقده المجلس بشكل صارخ. الأخطر من ذلك، أن مستوى التأطير العلمي والمعرفي داخل المجلس يطرح أكثر من علامة استفهام خصوصا بعد ان اختارت ثلة من الموظفين التقاعد النسبي .
فالتدبير الترابي اليوم علم قائم بذاته، يتطلب فهمًا دقيقًا لآليات التخطيط، والمالية العمومية، والتنمية المستدامة، والحكامة الجيدة. غير أن الواقع يكشف عن ضعف بيّن في استيعاب هذه المفاهيم، وعجز عن تحويل النصوص القانونية إلى سياسات عمومية فعّالة. كيف يمكن لمؤسسة أن تقود تنمية إقليم بأكمله وهي تفتقر إلى الحد الأدنى من الكفاءة العلمية والتقنية؟
ومايزيد الطين بلة هو الغياب شبه التام للعمل التشاركي والذي عمّق الأزمة أكثر. فالمجلس لا يشتغل بمنطق الانفتاح على الفاعلين المحليين، ولا يُشرك المجتمع المدني والهيئات المهنية والكفاءات الجامعية في صياغة برامجه. لا حوار عمومي حقيقي، ولا مقاربة تشاركية فعلية، بل وقراراته تُتخذ في دوائر ضيقة، بمنطق الولاءات والتحالفات، بعيدًا عن روح الديمقراطية التشاركية التي نص عليها الدستور.
الرئيس كشخص محترم جدا وفاعل سياسي محنك و محب للمبادرات الاجتماعي والثقافية ،ولكن بدل أن يكون مجلسا ميزاجيا كان من الممكن ان يكون فضاءً لتجميع الطاقات والكفاءات، بدل ساحة تجاذبات سياسية ضيقة ببن القبعات السياسية للاعضاء، تُغيب المصلحة العامة وتُقدّم الحسابات الحزبية والشخصية والنتيجة: مشاريع بلا أثر، ميزانيات تُستهلك في التسيير، وثقة مواطن تتآكل سنة بعد أخرى.
إن أزمة المجلس الإقليمي للناظور ليست قدرًا محتومًا، لكنها نتيجة مباشرة لغياب الرؤية، وضعف المستوى العلمي للأعضاء ، وانعدام العمل التشاركي الحقيقي. وإلى أن يُعاد الاعتبار للكفاءة، وللتخطيط الاستراتيجي، ولإشراك المواطن في القرار، سيظل المجلس مجرد مؤسسة شكلية، حاضرة في النصوص… غائبة في الواقع التنموي.













