يشهد إقليم الناظور انفلاتاً غير مسبوق في القطاع العقاري، بعدما أصبحت المضاربات والاحتكار تتحكمان في السوق بشكل يصفه المتتبعون بالمافيوزي. فأسعار الشقق الاقتصادية بلغت مستويات صادمة، إذ تجاوز ثمن المتر الواحد في حي المطار 15 ألف درهم، بينما يصل في حي عاريض إلى 10 آلاف درهم، في مشهد يتنافى مع القدرة الشرائية للمواطنين ويقصي الفئات المتوسطة والوافدين الجدد الباحثين عن سكن.
هذا الغلاء غير المسبوق لا يعكس تطوراً عمرانياً أو جودة في العرض، بقدر ما يكشف تغوّل لوبيات عقارية تشتغل بمنطق المضاربة وخلق الندرة، ما أدى إلى إضعاف العرض ورفع الأسعار بشكل مصطنع. وفي سابقة تكشف حجم الفساد، أقدمت لجنة التفتيش التابعة لوزارة الداخلية على سحب 22 رخصة بناء تتعلق بمشاريع في أطوار مختلفة، بعضها في مراحله النهائية وأخرى لا تزال في بداياتها، وهو ما يدل على أن الاختلالات بلغت مستويات لا يمكن السكوت عنها، خصوصاً مع وجود شبهة تواطؤ بين منعشين عقاريين وبعض الجهات التي تدبر ملف العقار داخل جماعة الناظور ووكالة مارتشيكا.
ويأتي هذا الوضع في مرحلة دقيقة تشهد إطلاق مشاريع كبرى أرادها الملك رافعة لتنمية المنطقة، مثل ميناء الناظور غرب المتوسط، والمنطقة الحرة، ومشروع مارتشيكا. إلا أن الفلسفة العقارية القائمة على الاحتكار وتبييض الأموال عبر شراكات مشبوهة وضعت المواطنين البسطاء والعاملين والوافدين على أوراش التنمية في مأزق حقيقي، بسبب غياب بدائل في سوق الإيجار أو التملك بأسعار معقولة.
وسط كل هذا، يغيب أي دور للنقابات أو الجمعيات أو الهيئات المهنية، التي لم تبدِ أي موقف من سحب الرخص أو من ارتفاع الأسعار، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول أسباب هذا الصمت، وهل هو خوف أم تواطؤ أم عجز عن مواجهة تغول المصالح العقارية. وإذا كان بعض المنعشين يدّعون أن وضعياتهم سليمة، فلماذا لم يتحركوا لشرح موقفهم أو الطعن في القرارات؟ ولماذا تُرك المواطن وحيداً في مواجهة مافيا العقار؟النتيجة أن سوق السكن بالناظور أصبح رهينة مصالح ضيقة، تُقصي الفئات الضعيفة والمتوسطة، وتُهدد الاستقرار الاجتماعي وتُعيق الدينامية الاقتصادية التي راهن عليها الجميع.
وفي غياب تدخل صارم وشجاع من الدولة والمؤسسات الرقابية، فإن الأسعار مرشحة لمزيد من الارتفاع، والفساد سيواصل نخر القطاع بعيداً عن أي محاسبة أو إصلاح.














