في السادس من فبراير سنة 1963، أغمض مولاي موحند محمد بن عبد الكريم الخطابي عينيه بعيدًا عن أرضه، لكنه ترك خلفه روحًا ما زالت تسكن الجبال والذاكرة والوجدان. لم يكن رحيله نهاية رجل، بل بداية غياب طويل لقامة تاريخية كبرى، ما تزال إلى اليوم حاضرة أكثر من كثيرين أُقيمت لهم التماثيل واحتُفي بهم في الخطاب الرسمي.
ثلاثة وستون عامًا مرّت، وما يزال اسم الخطابي يُنطق همسًا، كأن التاريخ يخشى الاعتراف بأحد أنبل أبنائه. لم يكن مجرد قائد حمل السلاح، بل كان عقلًا مستنيرًا وقلبًا نابضًا بحلم جماعي، انتشل الريف من ضيق القبيلة إلى سعة الوطن، وزرع في أرض الشمال أول بذرة لدولة حديثة، وُلدت من رحم المعاناة واسمها الكرامة والسيادة.كان الخطابي رجل فكرة قبل أن يكون رجل معركة. آمن بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع، وبأن الإنسان الحر لا يُهزم ما دام متمسكًا بكرامته.
قاد مقاومة نظيفة في زمن قذر، مواجهةً غير متكافئة ضد قوى استعمارية لم تتردد في استخدام أقسى وسائل الإبادة، بينما كان العالم يتفرج، ثم صمت، ثم نسي… أو تظاهر بالنسيان.وحين أُجهض الحلم بالقوة، لم يُهزم الرجل، بل اختار المنفى بدل الانكسار. عاش بعيدًا عن تراب الريف، لكنه ظل وفيًا له حتى آخر نبض. مات جسده في القاهرة، لكن روحه بقيت معلقة هناك، تنتظر يوم العودة، يوم المصالحة الصادقة مع التاريخ، يوم يُنصف فيه الأبطال لا الورق.
مؤلم أن يبقى رفات قائد حرّ يرقد بعيدًا عن أرضه، بينما تُفتح أبواب الذاكرة الرسمية للاحتفاء بأسماء لم تدفع ثمنًا، ولم تعرف معنى الفداء، بل صُنعت لها بطولات على مقاس السلطة، في حين أُقصي من صنعوا المجد الحقيقي، ودُفنت مناطقهم تحت ركام التهميش والنسيان.كان محمد بن عبد الكريم الخطابي حلمًا مؤجلًا، ورجلًا سبق زمنه، فدفع ثمن ذلك عزلة وصمتًا وتشويهًا. لكنه لم يخسر معركته مع التاريخ، لأن الشعوب لا تنسى من أحبها بصدق، ولا تُسقط من ذاكرتها من دافع عنها بدمه وفكره.
رحم الله محمد بن عبد الكريم الخطابي، ورحم كل من ساروا في درب الحرية دون أن يجدوا أسماءهم في كتب التاريخ. فالتاريخ الحقيقي لا يُكتب بالحبر وحده، بل بالدموع والدم والوفاء، وذاكرة الشعوب، مهما طال الصمت، لا تموت.











