د.ش
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس قيمة السياسات العمومية بقدرتها على تدبير الحاضر فقط، بل بمدى استنادها إلى رؤية استشرافية تؤطر المستقبل. ومن هنا، يشكل استحضار مداخلة فيكتور هوغو أمام البرلمان الفرنسي سنة 1849 حول السكك الحديدية مدخلاً إبستمولوجياً خصباً لفهم الفرق بين نمطين من التفكير:
تفكيرٌ يرقى إلى مستوى التخطيط الاستراتيجي، وتفكيرٌ يظل أسير التدبير الظرفي.
لم ينظر هوغو إلى السكك الحديدية كوسيلة تقنية للنقل، بل كـبنية تنظيمية للمجال، قادرة على إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، وعلى تحقيق نوع من العدالة المجالية عبر ربط الأطراف بالمراكز ضمن شبكة متكاملة. بهذا المعنى، كانت مداخلته تعبيراً مبكراً عن وعي عميق بوظيفة البنيات التحتية كرافعة استراتيجية، لا كاستجابة تقنية آنية.
أولاً: من التدبير إلى التخطيط – الدرس الهيغوي
إن ما يميز تصور هوغو هو انتقاله بالنقاش من مستوى “كيف ندبر؟” إلى مستوى “كيف نُخطط؟”.
فالسكك الحديدية، في تصوره، ليست مجرد خطوط تربط نقطاً معزولة، بل نظام شبكي (Système en réseau) يخضع لمنطق التكامل والنجاعة، ويستهدف تقليص الفوارق المجالية بدل تكريسها.
هذا التصور يتقاطع مع ما ستؤكده لاحقاً نظريات التخطيط الحديثة، التي ترى أن:
البنيات التحتية يجب أن تُبنى وفق منطق القرب والولوج
وأن توزيعها ينبغي أن يستجيب لـحاجات السكان لا لاعتبارات ظرفية
وأن الزمن (Temps) والمسافة (Distance) عنصران حاسمان في تقييم النجاعة
بعبارة أخرى، كان هوغو يؤسس مبكراً لما يمكن تسميته اليوم بـالعقلانية المجالية (Rationalité territoriale)، حيث يصبح المجال موضوعاً للتفكير المنظم، لا مجرد وعاء للتدخلات المتفرقة.
ثانياً: في نقد التدبير الآني – هيمنة منطق الاستعجال
إذا كان النموذج الاستراتيجي يقوم على الاستباق والتكامل، فإن ما نلاحظه في كثير من السياقات المعاصرة هو هيمنة نمط معاكس، يمكن وصفه بـالتدبير الآني (Gestion immédiate)، الذي يتسم بـ:
الخضوع لإكراهات اللحظة بدل استشراف المآلات
اتخاذ قرارات متسارعة دون تقييم كافٍ للآثار
غياب التنسيق بين مكونات المنظومة
وتغليب الحلول الجزئية على المقاربات الشمولية
هذا النمط لا ينتج فقط اختلالات ظرفية، بل يؤدي إلى ما يمكن تسميته بـإعادة إنتاج الهشاشة البنيوية، حيث تتحول السياسات العمومية إلى سلسلة من التعديلات الترقيعية، بدل أن تكون مساراً متماسكاً نحو هدف محدد.
إن خطورة هذا المنطق تكمن في كونه يخلق وهم الفعل:
تبدو القرارات وكأنها استجابة سريعة، لكنها في العمق تؤجل المشاكل أو تعيد توزيعها جغرافياً وزمنياً، دون حلها.
ثالثاً: التخطيط الصحي بين القرب والنجاعة
في قطاع الصحة، تكتسي هذه الإشكالية بعداً أكثر حدة، نظراً لارتباطها المباشر بحياة الأفراد.
فالأدبيات الحديثة في الصحة العمومية تؤكد أن فعالية المنظومة الصحية تقوم على ثلاثية أساسية:
القرب (Proximité): أي تقليص المسافة بين المريض والخدمة
الاستجابة (Réactivité): سرعة التدخل، خاصة في الحالات الاستعجالية
العدالة (Équité): ضمان تكافؤ فرص الولوج إلى العلاج
وفي هذا السياق، يصبح نقل الخدمات الصحية الأساسية بعيداً عن الكثافة السكانية الحضرية قراراً ذا كلفة مزدوجة:
كلفة زمنية، تؤثر مباشرة على فرص النجاة
وكلفة اجتماعية، تعمق الفوارق في الولوج إلى العلاج
كما يرتبط ذلك بمفهوم مركزي في الصحة العمومية، هو “فقدان الفرصة العلاجية” (Perte de chance)، حيث يؤدي التأخر في التدخل إلى تقليص احتمالات الشفاء أو البقاء.
رابعاً: نحو استعادة الأفق الاستراتيجي
إن تجاوز هذا الوضع لا يمر عبر رفض التغيير، بل عبر إعادة تأطيره ضمن رؤية استراتيجية، تقوم على:
الانتقال من منطق “نقل الخدمات” إلى منطق “بناء الشبكات”
اعتماد التخطيط المبني على المعطيات (Evidence-based planning)
إدماج البعد المجالي في اتخاذ القرار الصحي
وضمان التكامل بين المؤسسات بدل إحداث القطيعة بينها
فالتجارب الدولية الناجحة تُظهر أن النجاعة لا تتحقق عبر التركيز المفرط للخدمات، بل عبر توزيعها الذكي داخل شبكة منسجمة، تحافظ على القرب وتضمن الجودة في آن واحد.
إن استحضار مداخلة فيكتور هوغو ليس مجرد تمرين تاريخي، بل هو استدعاء لروح فكرية تضع التخطيط في قلب الفعل العمومي.
فبين منطق استراتيجي يستشرف المستقبل، ومنطق آني يلهث وراء الحاضر، تتحدد ملامح السياسات التي ننتجها، والنتائج التي نحصل عليها.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في اتخاذ قرارات جديدة، بل في تغيير طريقة التفكير التي تُنتج هذه القرارات.
لأن الأزمات، في جوهرها، ليست دائماً أزمة موارد، بل كثيراً ما تكون أزمة رؤية.













